مجلة الآثار - Archaeology Magazine



مدينة القيروان حضارة وتاريخ


صورة لمدخل المدينة عبارة عن الزربية أهم صناعة تقليدية بالمدينة

القيروان هي مدينة ضارب جذورها في أعماق التاريخ حيث تأسست منذ حوالي أربعة عشر قرنا إبان الفتوحات الاسلامية الأولى بشمال افريقيا على يد القائد الفاتح عقبة بن نافع أما جغرافيا فتقف القيروان شامخة تتوسط الجمهورية التونسية . ولعلنا لا نقدر أن نمر مرور الكرام على مدلول وروعة الاسم فالقيروان أو المعسكر هي اسم على مسمى اذ من حيث تضاريسها وموقعها تبرز قيمتها الاستراتيجية كمعسكر للجيوش الاسلامية القادمة من شبه الجزيرة العربية في مواجهة الجيوش البربرية المتمركزة للدفاع عن المدينة والجيوش البيزطية. ولعل الزاد التاريخي والإسلامي للمنطقة بوأها لقب (عاصمة الثقافة الاسلامية لسنة 2009) لذلك لابد من احياء تراثها الحضاري من خلال التعريف بمعالمها التاريخية و آثارها. 

الجامع الكبير أو جامع عقبة بن نافع

يعد الجامع أول منارة اسلامية في شمال افريقيا حيث يعود تاريخ تأسيسه على يد القائد الفاتح عقبة بن نافع الفهري الى سنة 50 للهجرة(669-70 م) ولقد ضل على مر السنين النموذج  الأوفى للعمارة الاسلامية. لكن الدراسات الأثرية المعاصرة تؤكد أن المعلم شهد عدة ترميمات تتالت بتعاقب الأمراء والخلفاء والسلاطين ولم يبقى إلا محرابه وللذكر فان وراء هذا بناء المحراب قصة حيث أن القائد عقبة بن نافع وجماعة صحابته تناظروا في توجه القبلة وقالوا له:(ان جميع أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمها فأقاموا أياما ينظرون الى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس فلما رأى عقبة أن أمرهم قد اختلف بات مغموما فدعا الله عز وجل أن يفرج عنه, فأتاه آت في منامه فقال له: اذا أصبحت فخذ اللواء في يدك واجعله على عنقك فانك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه أحد من المسلمين غيرك. فانظر الموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير, فهو قبلتك ومحرابك. وتم له ما رأى في المنام).

ولعل أهم تجديد وتوسعة الجامع يعود الفضل فيه الى الفاتح الكبير حسان بن النعمان وذلك خلال ولايته بين سنتي 74 هـ.- 79هـ. في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.

مسجد الصحابي أبي زمعة البلوي

يتصدر هذا المعلم المقام الثاني من حيث ارتياده بمدينة القيروان بعد جامع عقبة بن نافع وهو مقام وضريح الصحابي الجليل أبي زمعة البلوي الذي أستشهد في غزوة معاوية بن حديج وذلك اثر معركة ضد الجيوش البيزنطية سنة 39هـ.-654 م ويحض الولي الصالح أبي زمعة البلوي بمكانة خاصة عند أهل القيروان اذ يلقبونه – بصاحب الشعرات-. يروى أن هذا الصحابي كان يحتفظ بشعرات من شعر الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.

فسقية الأغالبة

المبنى هو عبارة عن خمسة عشر حوضا مائيا تعد الأكبر والأغرب في زمن بناءها ويعود بناءها الى الأمير أبو ابراهيم أحمد بن الأغلب سنة 246هـ وقيل أنه أنفق في بناءها 300 ألف دينار من بيت مال المسلمين لذلك لا تزال على مر العصور من أعظم المنشآت المائية.

أما تسميتها فهي على الأرجح تعود الى مدلول كلمة (فسق) في اللغة العربية وهو الخروج عن الأمر المألوف والعرب يقولون اذا خرجت الرطبة من قشرتها فقد فسقت الرطبة من قشرتها وفسق فلان عن الدنيا اتسع فيها وهون على نفسه لذلك فهذه المنشأة سميت فسقية لاتساعها وخروجها عن النمط المعتاد في ذالك الزمان أو ما يسمى بالماجل.

وللذكر فإن الفيضانات التي لحقت البلاد التونسية سنة 1966 قد أتت على معظمها فلم يبقى منها إلا حوضان. والفسقية دائرية الشكل يصل قطرها الى 128 م وعدد أضلاعها 64 ضلعا وعمقها حوالي 6 أمتار وتتسع الى 57,764 م من المياه. لذلك كان لها الفضل في تزويد المدينة بالمياه خاصة في سنوات القحط. 

مسجد الأبواب الثلاثة

كما يدل الاسم فان هذا الجامع يتميز بثلاثة ابواب متحاذية من جهة ولعل هذه الخاصية تعد فريدة من نوعها. 

اضافة الى ما تتميز به واجهة الجامع العريضة من نقائش  صنعت من مادة الحجر الكذال وليست من الرخام كما هي عليه مساجد القيروان وهذه الزخارف تتمثل في أشكال  نباتية  وهندسية وكتابة على شاكلة أربع لوحات متضامة متناسقة حجما وشكلا وتعلوها شرفة تحمي هذه النقائش من السيول وحرارة الشمس.

بئر بروطة

تعد بروطة أو بئر أوطة كما يذكره بعض المؤرخين  زمزم مدينة القيروان اذ كل من يشرب منه يشفى حسب اعتقادات أهل المدينة.

تاريخيا لم يتمكن الباحثون من تحديد تاريخ بناء هذا البئر غير أنهم يربطون بين اسمها واسم قناة مائية (الروطة) في الجانب الشرقي من نهر دجلة كما ينسبون بناءها الى القائد هرثمة بن أعين ( 200هـ.-816م.). وهناك رواية يذكرها الموروث الشعبي القيرواني وهو أن كلبة كانت تحثو التراب بحثا عن الماء فاندفقت المياه فسميت البئر باسم الكلبة. أما البناية المقامة على هذه البئر فيعود تاريخها الى أواخر القرن السابع عشر(مابين 1676م-1690 ) وتحمل نقيشة رخام مطعمة بالرصاص على واجهة المدخل نحت عليها شعر مؤرخا في سنة 1101 هـ.و أوله

فلله رب الجـــود درُ سقـاية.......بدا حسنها للناظريــن فأيقنــــــــا

هذا البئر الذي يقال أنه قديم قدم القيروان نفسها يخرج ماءه من عمق متوسط في قواديس من الفخار الملون مثبتة كلها بحبل على دائرة ناعورة كبيرة,

المثير للاهتمام هو أن هذه الناعورة يديرها جمل معصب العينين خشية أن يصاب بدوار نتيجة حركة الدوران وهذا الجمل هو وقف على المكان فلا يغادره إلا الى الموت. ومن عجيب هذه البئر أنها معلقة بطابق علوي فلا تطأها الأقدام الى بعد تسلق سلما بنحو عشر درجات ويحرسها شيخ عجوز بملابس قيروانية ويسمى الوكيل مسخر لخدمة الزائرين من أهل المدينة والسائحين الذين يرتادوا المكان يوميا.

مقام عبيد الغرياني

الزوايا هي جمع زاوية وهي مقامات وأضرحة الأولياء الصالحين وعلى كثرتها بمدينة القيروان فأنها تعد أماكن مغمورة لم يذكرها التاريخ الا زاوية الولي الصالح سيدي عبيد الغرياني وهي عبارة عن مركب به ضريح الولي ومدرسة لتعليم القرآن ومسجد للصلاة.وسيدي عبيد الغرياني أحد كبار الصوفية في عصره توفي سنة 805 هـ.- 1402م وتعد الزاوية رمزا لروح المدينة وصلتها الخالدة بالعالم الاسلامي ومما يعرف عن هذه الزاوية أنها كانت الملاذ لآخر السلاطين الحفصيين السلطان الحسن الحفصي (1526م – 1543م) الذي أباح المملكة للاسبان فطارده ابنه بعد ان خلعه وسبل عينيه. وقبره موجود بالمقام الى الآن.

تتميز الزاوية بزخرفتها ذات اللونين الأبيض والأسود من البلاط الى الأسقف وهو ما يجعلها تنفرد عن باقي البناءات بمدينة القيروان أما القبة المقامة على الضريح فهي مزيج من النقائش الخشبية والجبسية البديعة ويقصد أهالي القيروان المقام في عدة مناسبات دينية وغيرها وبعضهم يفضل ختان أبناءه بالمسجد المحاذي لضريح الولي الصالح. 

سور القيروان

يعد السور أهم عنصر من عناصر التراث المعماري للمدينة ويعود بناءه الأول الى الوالي العباسي محمد بن الأشعث (144هـ.-762م.) والسور في العهد الحفصي كان يحيط بمدينة القيروان بما يقارب ثلاث كيلوميترات تقريبا انحسرت الى كيلومتر واحد طولا ونصف الكليموتر عرضا وذلك لتعرض المدينة للغزو والنهب والحروب في عديد المرات وشهد السور عدة ترميمات لعل اهمها تلك التي قام بها أول الملوك الحسينين العثمانيين بإيالة تونس حسين بن علي الحسيني (1705م – 1712م) حيث يعتبرها دارسو المعمار إعادة بناء للسور خلفا للقديم الذي شيده الأمير الصنهاجي المعز لدين الله سنة 443هـ.- 1052م.

 

السور اليوم ينقل لنا تاريخا تتقاسمه جل المدن الاسلامية فبأعلى السور يوجد ممر واسع للعسة يمر به القائمون بمهام المراقبة وتحلي أعمدته تيجان من العصر البيزنطي استعملت في الترميمات الأخيرة وللسور ثمانية أبواب تم فتح معظمها في العهد العثماني.

لقد ساهمت هذه المعالم في جعل القيروان اليوم مزارا للسياحة الداخلية خاصة في المناسبات الدينية على غرار الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والسياحة الخارجية لا سيما من الدول الأوروبية الذين انبهروا بالآثار التاريخية للمنطقة كما شدت انتباه علماء الآثار والدارسين والرحالة العرب على مر الأزمان على غرار الرحالة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي  بكر البناء الواوي الملقب بالرحالة المقدسي (270هـ. - 883م.). وتشتهرالقيروان اليوم اضافة الى تاريخها بصناعة الزربية  وتحضير نوع من الحلويات يسمى المقروض.

شرح بعض العبارات

ماجل: مكان لتخزين المياه أقل عمقا من البئر يكاد لا يخلو منه منزل تونسي قديما.

العسة: مصطلح تونسي يعني الحراسة

الوكيل: هو الشخص الذي تتطوع لخدمة الناس بمقام ولي أو بجامع أو مقبرة.

القواديس: ج قادوس ويعني إناء من الفخار يستعمل لشرب الماء.


رئيس التحرير

القائمة الرئيسية

دخول الأعضاء

الإســتفتـــــــــاء

معرض روائع الآثار السعودية

مساحة اعلانية

مساحة اعلانية
 
مساحة اعلانية ثابتة بجميع صفحات المجلة

إحصائيات الموقع

الزوار : 3038923
الأخبار : 4582
الأعـضـاء : 1881

تغير شكل الموقع

يمكن لك تغير شكل الموقع


نرحب بالقراء الكرام

free counters

عدد المتواجدون الان

المتواجدون الان : 2
الزوار : 2
الأعضاء : 0

تقرير صور مدائن صالح